الشيخ الطوسي

51

التبيان في تفسير القرآن

منه قبيح . وقد اختارهم الله على ما في المعلوم منهم وقيل : هم غلاظ شداد يعذبون على قدر قواهم بأنواع العذاب . وقال الجبائي قوله ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) يعني - في دار الدنيا - لان الآخرة ليست دار تكليف . وإنما هي دار جزاء . وإنما أمرهم الله بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار ، كما جعل سرور المؤمنين ولذاتهم في الجنة . ثم حكى ما يقال للكفار يوم القيامة فان الله تعالى يخاطبهم فيقول ( يا أيها الذين كفروا ) نعمتي وجحدوا ربوبيتي وأشركوا في عبادتي من لا يستحقها ، وكذبوا أنبيائي ورسلي ( لا تعتذروا اليوم ) فان اليوم دار جزاء لا دار توبة واعتذار ( إنما تجزون ) على قدر ( ما كنتم تعملون ) في الدنيا على الطاعات بالثواب ولا طاعة معكم ، وعلى المعاصي بالعقاب ودخول النار ، وأنتم مستحقون لذلك . ثم عاد إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ) من معاصيه وأرجعوا إلى طاعته ( توبة نصوحا ) أي توبة خالصة لوجه الله . فمن قرأ - بضم النون - وهو أبو بكر عن عاصم أراد المصدر ، ومن فتح النون جعله صفة للتوبة ونعتا لها . والتوبة النصوح هي التي يناصح فيها الانسان نفسه باخلاص الندم مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح . وقوله ( عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ) معناه متى تبتم توبة نصوحا كفر الله عنكم سيئاتكم ، وغفر لكم فان ( عسى ) من الله واجبة ( ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) مضافا إلى تكفير السيئات والعفو عنها ( يوم لا يخزي الله النبي ) ولا يخزي ( الذين آمنوا معه ) أي لا يذلهم ولا يعاقبهم بل يعزهم بادخال الجنة . ثم وصف النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين معه فقال ( يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم ) قال ابن عباس : معناه يسعى نور كتابهم الذي فيه البشرى ( يقولون ربنا ) في